تصعيد على الحدود الأفغانية الباكستانية يفاقم معاناة المدنيين ويكشف أزمة صحية صامتة

تصعيد على الحدود الأفغانية الباكستانية يفاقم معاناة المدنيين ويكشف أزمة صحية صامتة
سيدة أفغانية تتلقى الخدمة الطبية

في الأسابيع الأخيرة، عادت المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان إلى واجهة التوتر، مع تصاعد موجة جديدة من الهجمات العسكرية التي أثارت قلقاً واسعاً بين السكان. هذه المناطق التي اعتادت على هشاشة الأمن، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر قسوة، حيث لا تقتصر التداعيات على الاشتباكات العسكرية، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين الذين يعيشون تحت تهديد دائم.

وبحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة الخميس، فإن هذه العمليات العسكرية التي تبررها باكستان بملاحقة تهديدات أمنية، أدت إلى تعريض مناطق مدنية مكتظة بالسكان لمخاطر مباشرة، ويؤكد متابعون أن هذا التصعيد يأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث تعاني أفغانستان من أوضاع إنسانية واقتصادية متدهورة، ما يضاعف من تأثير أي توتر أمني جديد على السكان.

مدنيون في مرمى النيران

الواقع على الأرض يكشف أن الضحايا الحقيقيين لهذه الهجمات هم المدنيون، وعلى رأسهم النساء والأطفال، المنازل تتعرض لأضرار جسيمة، والمزارع التي تشكل مصدر رزق أساسي للعديد من العائلات تتضرر أو تدمر بالكامل، ومع كل هجوم، تتقلص مساحة الأمان، ويزداد شعور السكان بأنهم محاصرون بين مخاطر لا يملكون القدرة على الهروب منها.

أزمة نفسية تتفاقم

لا تقتصر آثار التصعيد على الخسائر المادية والبشرية، بل تمتد إلى البعد النفسي الذي بات يشكل عبئا يوميا على السكان، العائلات تقضي لياليها في حالة ترقب وخوف من أصوات الانفجارات وتحليق الطائرات، فالأطفال يستيقظون مذعورين، فيما يحاول الآباء إخفاء قلقهم دون جدوى، هذا المناخ المشحون ينعكس بشكل مباشر على التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، حيث تتعطل المدارس، وتتوقف الأنشطة الاقتصادية، ويصبح الوصول إلى الخدمات الأساسية أكثر صعوبة.

في ظل هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى خدمات صحية عاجلة، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، الجرحى والمرضى يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى العلاج بسبب القيود الأمنية وضعف الإمكانات في أفغانستان بشكل عام، كما يعاني الأطباء والعاملون في القطاع الصحي من تحديات جسيمة تعيق أداء مهامهم، في وقت تتزايد فيه أعداد المحتاجين إلى الرعاية الطبية.

قيود على النساء تعمق الأزمة

الأزمة الصحية لا تنفصل عن القيود المفروضة على النساء داخل أفغانستان، والتي أثرت بشكل مباشر على قدرة النظام الصحي على الاستجابة، فالطبيبات والممرضات، اللواتي يمثلن عنصرا أساسيا في تقديم الرعاية، يواجهن في بعض المناطق قيودا تحد من حركتهن أو تمنعهن من العمل، وهذه القيود تترك أثرا بالغ الخطورة، خاصة على النساء والأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة لا يمكن توفيرها دون وجود كوادر نسائية.

في واحدة من أكثر الوقائع إيلاما، أدى هجوم وقع قبل أيام في مديرية بهسود بولاية ننغرهار إلى مقتل 18 شخصا من عائلة واحدة، بعد أن انهار منزلهم فوق رؤوسهم، وهذه الحادثة تعكس حجم الخسائر البشرية التي يخلفها التصعيد، كما تكشف عن صعوبة الاستجابة الإنسانية في ظل القيود المفروضة.

شهادة من قلب المعاناة

تروي الطبيبة فوزية نذير، وهي تعمل في مدينة جلال آباد، تفاصيل محاولة فاشلة للوصول إلى المنطقة المنكوبة، تقول إنها قررت التوجه إلى بهسود فور تلقيها أنباء عن وجود عائلات بحاجة إلى علاج عاجل. جهزت معداتها وتحركت مع فريق صغير، مدفوعة بإحساسها بالمسؤولية تجاه المرضى، خاصة الأطفال.

وتصف الطريق بأنه كان مليئا بالمشاهد المؤلمة، من منازل متصدعة إلى وجوه متعبة وقلقة، وعند نقطة تفتيش تابعة لـ طالبان، خضعت المجموعة للتفتيش، قبل أن يتم إبلاغها بمنعها من الدخول بسبب كونها امرأة.

تقول الطبيبة إنها حاولت شرح أهمية وجود طبيبة لعلاج النساء والأطفال، إلا أن الرد كان حاسما، لم يكن أمامها خيار سوى العودة، وهي تحمل شعورا عميقا بالعجز، تضيف أن ما كان يؤلمها أكثر هو إدراكها أن مرضى على الجانب الآخر لن يتمكنوا من تلقي العلاج بسبب غياب طبيبة.

حرمان يتجاوز الأفراد

توضح فوزية أن ما حدث لم يكن حرمانا شخصيا، بل انعكس على المرضى الذين كانوا ينتظرون المساعدة، وتشير إلى أن عددا من الصحفيين أيضا مُنعوا من دخول المنطقة، ما يعكس حجم القيود المفروضة في أفغانستان على الوصول إلى المعلومات والخدمات في آن واحد.

وتختم شهادتها بتأكيد مؤلم، مفاده أن هناك صوتا آخر غير مسموع وسط دوي الانفجارات، وهو صوت النساء اللواتي يُحرمن من أداء دورهن في إنقاذ الأرواح، وترى أن استمرار هذه القيود سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الهشة.

تشهد المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان منذ سنوات طويلة توترات متكررة، تعود في جزء كبير منها إلى خلافات حول الحدود المعروفة بخط دوراند، إضافة إلى اتهامات متبادلة بإيواء جماعات مسلحة، ومع عودة طالبان إلى السلطة في كابول في أغسطس 2021، ازدادت تعقيدات المشهد، حيث تواجه البلاد أزمة اقتصادية حادة وتحديات إنسانية واسعة النطاق.

كما فرضت السلطات الجديدة قيودا على عمل النساء في عدة قطاعات، من بينها الصحة، ما أثر بشكل مباشر على قدرة المؤسسات على تقديم خدماتها. وفي ظل هذا الواقع، يؤدي أي تصعيد عسكري إلى مضاعفة المعاناة الإنسانية، حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لتشكل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في المنطقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية